أعطت عجوز آخر رغيف

كان اسم العجوز دونيا كارمن. كانت تعيش في غرفةٍ صغيرة قديمة في مؤخرة بيتٍ شعبيٍّ بحي إيستابالابا في مكسيكو سيتي. لم تكن الغرفة تتسع إلا لسريرٍ معدنيٍّ يصرّ كلما تحرّك، وطاولةٍ خشبية بإحدى قوائمها المائلة، وموقدٍ متنقّل تفوح منه دائمًا رائحة الغاز والدخان. عاشت وحدها لأكثر من عشر سنوات، منذ أن توفي زوجها إثر جلطةٍ دماغية، ومنذ أن غادر ابنها الوحيد المنزل بعد شجارٍ قاسٍ… ولم يعد بعدها أبدًا.
كانت حياة دونيا كارمن تُختصر في كلمةٍ واحدة: الاحتمال. كل صباح، قبل بزوغ الفجر، كانت تنهض، تُعدّ سلتها، وتخرج لتبيع أرغفة الخبز مع القهوة في محيط السوق. في بعض الأيام كانت تبيع كل ما لديها باكرًا، وفي أيامٍ أخرى تعود عند الغروب ونصف ما معها لم يُبع. لم يكن المال يكفي إلا لدفع الإيجار، وشراء دواء الضغط، وقليلٍ من الأرز والفاصولياء لتستمر في الحياة.
كان أهل الحي يعرفون دونيا كارمن: امرأة نحيلة، منحنية الظهر، بصوتٍ خافتٍ ونظرةٍ طيبة. لم تكن تملك شيئًا، لكنها كانت دائمًا مستعدة للعطاء. أحيانًا رغيف خبز، أحيانًا بعض النقود، وأحيانًا كلمة طيبة… لكنها لم تُدر وجهها عن أحد قط.
في مساءٍ رماديٍّ مع رذاذ مطرٍ متواصل، وبينما كانت تُعيد سلتها استعدادًا للعودة، رأت رجلًا ملقى تحت مظلة متجرٍ مغلق. كان منكمشًا، مبتلًا، يرتدي معطفًا قديمًا ممزقًا. وجهه شاحب، وشفاهه مزرقة من البرد. إلى جانبه حقيبة قماشية شبه مهترئة.
مرّ الناس بجانبه دون توقف. بعضهم نظر بشفقةٍ عابرة ثم مضى. آخرون ابتعدوا كأنه غير موجود.
وقفت دونيا كارمن مكانها.
بعد لحظات، اقتربت منه ببطء.
— يا سيدي… هل أنت بخير؟ — سألت بصوتٍ منخفض.
فتح الرجل عينيه بصعوبة.
— لا تقلقي… أنا بخير — قال مبتسمًا ابتسامةً متكلفة.
لم تُكثر الأسئلة. أخرجت من سلتها رغيفًا ما يزال دافئًا، لفّته بعناية، ومدّته إليه.
— كُلْه. مع المعدة الخاوية يشتدّ البرد.
نظر الرجل إلى الخبز كأنه شيءٌ مقدّس.
— حقًا… لي أنا؟
أومأت برأسها.
— نعم. ما يزال لديّ غيره.
كان ذلك غير صحيح. كان الرغيف الأخير.
ثم، من دون تردد، خلعت المعطف الخفيف الذي كانت ترتديه ووضعته على كتفيه.
— لا يمكنك البقاء هنا الليلة. إن شئت… غرفتي صغيرة، لكنها على الأقل لها سقف.




